عبد الملك الجويني
37
نهاية المطلب في دراية المذهب
والمذهب الذي عليه التعويل ما ذكره الشيخ أبو بكر . ثم نستكمل التفريع على مَا ذكره بعض المصنفين ، ونذكر ما يتحصل آخراً . فإِن قلنا : إِنّه فرض على الكفاية ، فقد قال هذا الرجل : الصحيح أنه يجب في اليوم مرة واحدة في كل محلة ، والذي يقرب في ضبط هذا أن يترتب المؤذنون في محالّ البلدةِ ، بحيث لا يبقى قطرٌ منها لا يبلغها صوت مؤذن ، وَحُكي عن عطاء أنه أوجب الأذان على هذا الترتيب على الكفاية في اليوم والليلة خمس مرات . ولم أر هذا المذهب مَعْزياً إِلى أحد أصحابنا . قال : وذهب ابن خَيْران إِلى أن الأذان يجب في كل جمعة مرة . فهذا ما حكاهُ في فرض الكفاية وتفريعه . ونحن نُوجه هذا ، فإِن ما يعد من فروض الكفايات سيأتي مجامعه في كتاب السير ، ولكن من أظهر فنون فروض الكفايات ما يتعلق باستيفاء الشعائر الظاهرة المستمرة في الشريعة ، وهذا يظهر في شعارٍ لو خلا عنه قُطْر ، لتنادى الخلق بالإِنكارِ والاستنكارِ ، وقد صح أن رد جواب المسَلِّم من فروض الكفايات ، من حيث إِن ذلك من شعائرِ الإِسلام ، فالأذان بذلك أولى . ثم لا يُؤْذِنُ الشعار بالدَّرْس إِذا كان مما يقامُ في اليوم والليلة مرّة واحدة . وأما وجه ما ذكره ابن خَيْران ، فهو أن الأذان دعاء إِلى الجماعات ، وإِنما تجب الجماعة على الأعيان ، مع الاختصاص بأوصافٍ معروفة يوم الجمعة ، فاختص الأذان الذي هو دعاء إِليها بكونه فرضاً على الكفاية . وسمعت شيخي يفرِّع على هذا الوجه ، ويذكر فيه اختلافاً ، ويقول : من أئمتنا من قال : الأذان فرضٌ يوم الجمعة ، وهو الأذان الذي يقام بين يدي الخطيب ؛ فإِنّه من الشعائر المختصة بصلاة الجمعة ، فلا يمتنع القضاءُ بفرضيته كالجماعة ، والخطبةِ ، وقيامِ الخطيب في الخطبتين ، وقعودِه بينهما . ومنهم من قال : يسقط بالأذان الذي يؤتى به لصلاة الجمعة ، وإِن لم يكن بين يدي الخطيب ، واتفق هؤلاء أن الأذان ينبغي أن يكون لصلاة الجمعة ، ولا يسقط بأذانٍ لصلاة أخرى في يوم الجمعة ، فإِن ذلك عند هذا القائل مختص بصلاة الجمعة على الخصوص .